كي برس/ مقالات ـ اسيا العتروس
واهم من يعتقد أن حكاية خاشقجي ستنتهي عند ظهور العاهل السعودي الملك سلمان ومعه ولي العهد السعودي مستقبلا في قصر اليمامة افراد من عائلة الضحية وبينهم ابنه البكرلتقديم التعازي له بعد التطورات المتسارعة التي عرفتها جريمة اغتيال الصحفي السعودي الذي ستسجل نهاية واحدة من أفظع عمليات الاغتيال التي جمعت أبشع ما تضمنته روايات وافلام الرعب البوليسية مع اختلاف مهم وهوأن الامريتعلق في قضية الحال بجريمة حقيقية عنوانها الغباء المستعرب تعرب بثوب الطغيان وفق ما أرخ له العلامة ابن خلدون بأن “كل سلطة مطلقة مفسدة مطلقة .
وأول تبعات لقاء التعزية أنه لن يكون بإمكان عائلة خاشقجي وأبناءه التصريح بشيئ للصحافة الأجنبية و لن يكون بإمكانهم أيضا مغادرة المملكة تحت أي حجة كانت وهو ما نتركه للايام القادمة لتؤكده .
الواقع أيضا أنه و كما في كل جرائم الاغتيال السياسي أن السؤال سيظل دوما من اصدر الأوامر بتنفيذ الجريمة و من مول وخطط لان أداة التنفيذ تبقى دوما “العبد المأمور”حتى عندما يتعلق بابشع ما يمكن للعقل البشري عندما يبلغ درجة التوحش اقترافه .ربما اعتقد الكثيرون بأن منفذ أو منفذي جرائم الاغتيال لا يتحركون الا بما يتلقونه من أوامر و لكن ذلك قد لا ينفي أيضا ذهاب البعض الى أبعد من كل الأوامر اعتقادا منهم بأنهم يرضون أسيادهم …اذا كان جمال خاشقجي يشكل خطرا على النظام السعودي في حياته فان الخطر تضاعف بعد موته و سيظل لعنة تلاحق كل من سيتضح أن له علاقة بالجريمة التي يبدو أيضا أنها ستكون قابلة للاستثمار و الابتزاز من جانب أكثر من طرف مستفيد مما حدث …والأكيد أن من يملك أكثر تفاصيل واكثرادلة أو ربما تسجيلات عن الجريمة سيكون الاقدر على مواصلة لعبة الابتزاز و دفع السلطات السعودية الى تجنب افشاء المزيد من تفاصيل العملية التي وضعت المملكة راعية المقدسات الاسلامية في موقع لا تحسد عليه ..
ولاشك أن ظهورمحمد بن سلمان ولي العهد السعودي لبعض الدقائق بالأمس على هامش انعقاد المؤتمر الاقتصادي “دافوس الصحراء ” لن يساعد في تلميع الصورة . بل ان في تصريحات الرئيس الأمريكي بالأمس بأن “السعودية قامت بأسوا عملية تستر” ما يعري الكثيرين ولكن أيضا ما يعني صراحة أن العقلية الامريكية لا تعنيها كثيرا عملية الاغتيال بقدرما يعنيها الغباء الذي أحاط بالعملية وسوء الإخراج الذي أقدم عليه الجناة .وهو ما يعني أن جرائم الاغتيال وعمليات التصفية لن تنتهي من الوجود وستستمر طالما استمرت الصراعات حول السلطة واستمر معها حياكة الموامرات داخل القصور ملكية كانت أو جملوكية …
المثير أن ايران التي خرجت و لأول مرة عن صمتها لتعلق على لسان الرئيس روحاني أن المملكة ما كانت لتقدم على هذه الجريمة بدون غطاء أمريكي …موقف قد يستشف منه أنه يغازل الرياض بشكل غير مباشرو يجنبها مزيد الضربات الموجعة من منافس إقليمي كان يمكن أن يعمد و منذ اللحظات الأولى الى القفز على الاحداث و الاستثمار بدوره في الجريمة …
ومع تعدد المواقف وردود الأفعال الدولية لا سيما الأطراف المعنية بالجريمة بشكل مباشر وهي تركيا التي وقعت العملية على أراضيها حتى وان كانت القنصلية تتمتع بالسيادة وفقا للقانون الدولي ولاتفاقيات فيانا التي تحدد علاقة السلطات الرسمية بالسفارات والقنصليات الأجنبية , فان المفاجات ليست قريبة من نهايتها .وكما ظل الرئيس التركي اردوغان يراوح بين التلميح والتهديد و يعتمد سياسة الضخ قطرة قطرة لما بين يديه من معلومات او تفاصيل حول الجريمة فان الرئيس الأمريكي ظل يراوح بدوره بين إرضاء الرأي العام في الداخل حينا و بين عدم التخلي عن الحليف السعودي على الأقل ليس قبل أن يقول الكونغرس كلمته …
ترامب الذي ظلي يتبع سياسة التريث ورفع شعار” كل مجرم بريئ حتى تثبت الإدانة “في انتظار مزيد المعلومات حول وقائع الجريمة بما يجنبه تحمل تداعيات أي تصريح أو موقف لا مع السلطات السعودية و لكن و هذا الأهم إزاء بعض أعضاء الكونغرس و المؤسسات الإعلامية الامريكية يضع نصب عينيه ما توفره له الصفقات العسكرية و غير العسكرية مع المملكة من أرباح للاقتصاد الأمريكي و من استثمارات و من فرص عمل غير مسبوقة …
طبعا لعبة الصفقات والمصالح لا تتوقف عند الرئيس الأمريكي الذي يحسب له على الأقل أنه اختار الصراحة الوقحة على اعتماد لغة الرياء و النفاق السياسي لبقية الدول الغربية التي ما انفكت تلوح بعقوبات سيتم اللجوء اليها في حال ثبوت تورط السلطات الرسمية في جريمة القتل التي انطلقت من مرحلة كشف المعلومة قطرة- قطرة الى مرحلة المعلومات الجارفة و التي ما انفكت تؤشر باصبع الاتهام الى اطراف مقربة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والذي كان و حتى وقت قريب يروج له في مختلف المنابر على أنه المستقبل الواعد للملكة و رجل الإصلاحات غير المسبوقة في محاربة الفساد المستشري بين افراد العائلة الملكية و الانتصار لأول مرة لحق المراة في السياقة وغير ذلك من الإصلاحات المجتمعية التي تسعد القادة في الغرب و هو ما جعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يختار العاصمة السعودية الرياض لتكون محطته الخارجية الأولى بعد انتخابه ليعلن منها في البداية ودون توضيح عن صفقة القرن التي قال انها ستنهي أطول ازمة عرفها الشرق الأوسط …..,وليس من الواضح كيف ستكون علاقات المملكة بالرئيس الأمريكي بعد مقتل خاشقجي والأكيد ان حجم الارتدادات سيكوم مدويا و أنه سيكون هناك مرحلة ما قبل و ما بعد قتل خاشقجي وان كان الابتزاز سيد المشهد بين الرياض وواشنطن فان الأرجح ان الامر سيكون اشد في المرحلة القادمة وان هناك تفاصيل ارتبطت بالعملية تستوجب الصمت وتجنب مزيد الاحراجات التي هزت المملكة حتى الان …
انتظرت الرياض ثمانية عشر يوما لتعلن مقتل خاشقجي في قنصلية بلاده التي يفترض أنها المكان الأكثر أمنا لاي مواطن في الخارج و تعترف بأن الموت نجم عن “القتل الخطأ ” , و هذه في الواقع العبارة الأكثر تداولا في مختلف تجارب الأنظمة الدكتاتورية في التعامل مع معارضيها و التي غالبا ما تعلق جرائم الاغتيال السياسي الى تبادل للعنف أثناء التحقيقات في المراكز الأمنية و الى هنا كان يمكن أن تمر عملية تصفية خاشقجي ككل الجرائم التي سجلها العالم لولا أن غباء منفذي العملية دفعهم للتخلص من اثار الجريمة ببشاعة و ربما تم تسجيل أطوارها بطريقة غير معلومة …و ربما يملك رجل الاستخبارات ماهر مطرب و صلاح طبيقي و بقية مجموعة الخمسة عشرة خبير الذين حلوا باسطمبول على متن طائرتين خاصتين بقية أطوار الحكاية التي لم تبدأ بعد …
و لعل قادم الأيام تسقط المزيد من أوراق التوت و تكشف بعض ما خفي و ليس كل ما خفي في جريمة اغتيال خاشقجي ….