بصمة برس/ مقالات / المحامي حسين فاضل التميمي

تتمتع المجتمعات الراقیة بمجموعة من القیم والثقافات التي تسود ربوعھا، بحیث تعد ھذه القیم بمنزلة الھویة التي تعبر عن ثقافة المجتمع وقیمھا الأصیلة ومثلھا العليا.
ولما كان الانفتاح على المجتمعات والثقافات الأخرى قد ینتج عنھا أن تظھر أنماطا من السلوكیات التي تتنافى مع قیم المجتمع وعاداتھا وأخلاقھا فتؤثر سلبا في السلوك العام لبعض الناس بدعوى الحریة الشخصیة، لذا كان لابد من وجود إطار تنظیمي یرتقي بالسلوك العام ویلتزم بھا الناس، ویحد من تجاوز حدود الذوق العام العراقي .
و مع بدء اتخاذ الاجراءات القانونية بحق اصحاب المحتوى الهابط و لعلنا فعلا كنا بحاجة ماسة إلى صدور قرار لمراعاة آداب الذوق العام وحمايتها من التشوهات البصرية والسمعية واللفظية والأخلاقية التي ألحقت الأذى بالإنسان العراقي والعائلة على وجه الخصوص ، ولم يسلم منها حتى الحيوان، وأضرّت بالمظهر العام للمجتمع والوطن بأكمله، بما له من مكانة حضارية وثقافية ودينية واخلاقية عظيمة بين الأوطان، وبما يتسم به المجتمع العراقي من قيم وتقاليد عريقة، وعادات سليمة، فقد أصدر مجلس القضاء توجيها لاتخاذ الاجراءات القانونية بحق اصحاب المحتوى الهابط بالتعاون مع الجهات المختصة في وزارة الداخلية و التي لاقت قبولا لدى كافة أبناء المجتمع، من أجل المحافظة على منظومة القيم المجتمعية، ومراعاة العادات والتقاليد للمجتمع والآداب العامة، وحماية الأخلاقيات، خاصة بعد بروز عدة ظواهر سلبية شوهت المظهر العام للمجتمع، حينما نسي بعضهم أنه ينتمي إلى أعظم بلد ينظر إليه كثيرون ممن يأتون إلى بلادنا.

وما أكثر ما كنا نصدم به من تصرفات رعناء، وسلوكيات شاذة في الأماكن العامة، لا تمت لمجتمعنا لا من قريب ولا من بعيد بصلة، ولا تعكس روح أخلاق أبنائه ، فشاهدنا من يخرج بملابس النوم، ومن يرتدي الملابس المخالفة لآداب المجتمع، وقد تحمل صورا مخالفة، وتحوي عبارات مسيئة، فكانت مظهرا غير حضاري لا يليق بشبابنا ، وشاهدنا من يضايق النساء ويتحرش بهن وبالعائلات في الأسواق بصورة علنية بداعي الشهرة وهوس الطشة، مما يدفع البعض من المراهقين لتقليدهم وانتشار هذه السلوكيات دون دراية او علم من الاخرين .
كانت تلك التصرفات والصورة المشّوهة وغيرها تسيء للمجتمع بكامله، ثم بدأنا نلاحظ ظهور شبابنا، بعضهم كبار، ( يتصرفون تصرفات لا تليق بكرامة الانسان ومكانته الادمية
وكأن «التغيير» عند بعضهم الذي نمر به، يعني «الانقلاب» على كل مبادئ الأمس وقيمه وجمالياته التي كانت تميزنا، كي يبدو أمام الناس أنه متطور أو متنور!.
حقيقة كنا نحتاج لمثل هذه القرارات لحفظ الذوق العام ولحماية الآداب العامة، وللحد من التصرفات الطائشة والسلوكيات الغريبة، وحفظ قيمنا الدينية والأخلاقية والوطنية والصورة المدنية الحقيقية للمجتمع .
هناك فرق بين الحرية الشخصية المنضبطة التي لا تمس حريات الآخرين ولا تخرق حرية المجتمع، وليس فيها ما يتنافى مع تعاليم الديانات وتقاليد المجتمع، وبين الفوضى في التصرفات التي لا يراعي أصحابها القوانين، ولا يهمهم إن كان تصرفهم يخالف العيب، فالشخص حر في حدود، لكن عندما يتجاوز حدود الحرية المسموح بها يتعدى على حريات الآخرين، ويمارس التحرش والابتزاز، ويرتدي ملابس غير لائقة أو ملابس غير محتشمة، فهذا تجاوز على آداب الذوق العام، ولهذا فوجود رادع قانوني لضبط الذوق العام والآداب العامة سيضع لكل صاحب سلوك شاذ حدودا، وسيعيد ترتيب السلوكيات وفق منظومة من الأخلاقيات التي نستمدها من القيم الحقيقية للمجتمع العراقي .
علينا أن نفكر بجدية فيما يخدم الصالح العام وننأى بأنفسنا ومجتمعنا عن كل ما قد يجلب لنا فوضى السلوك، فكثير من الممارسات باسم الحرية الشخصية تكون مزعجة وتثير الاحتقان، وتضر سلم المجتمع بأكمله، ولا تمثل أصالته ولا عروبته، قد نسمع فئة معترضة على تطبيق الاجراءات القانونية، أو لا تريد ملاحقة كل من يسيء للمجتمع باسم الحرية الشخصية أو بداعي التغيير من منطلق فهمهم الخاطئ للتغير، فهؤلاء المهوّنين لا يجب الالتفات لآرائهم، فأكثر ما يهمنا هو سمعة الوطن ومكانته والحفاظ على هويته، وحماية منظومة الأخلاقيات والآداب العامة، كي نجد شبابا يقودون رؤيتهم بعزم وجد لبناء مجتمع حقيقي .

ولابد من الاشارة الى موقف القانون العراقي من الجريمة المذكورة فقد جاء في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل وبالتحديد الباب التاسع ( الجرائم المخلة بالاخلاق والاداب العامة ) الفصل الثالث ( الفعل الفاضح المخل بالحياء ) بدءاً من المادة (400-404) والتي جرمت بعض الأفعال والسلوكیات التي تخدش الذوق ولاداب العامة والحياء ، بھدف ضبط سلوك الناس، وتعزیزا لمكارم الأخلاق، والارتقاء بالإحساس العام وسلوكیات الناس في المجتمع، بما یكفل احترام حریات الآخرین وخصوصیاتھم، ومراعاة مشاعرھم .
كما جاء في دستور جمهورية العراق لعام 2005 وبالتحديد نص المادة (38) ( تكفل الدولة بما لا يخل بالنظام العام والاداب ) اولاً : حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل
ثانياً : حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر
كما نصت المادة (42) من الدستور لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة
نستخلص من المواد المذكورة اعلاه ان ممارسة الحقوق والحريات مصونة ومضمونة في القوانين رغم مرور سنوات طويلة على تعديل قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل رغم تطور الحياة البشرية ودخول التكنولوجيا والتواصل عن بعد وسهولة النشر ووصول الاعلانات والنشر الى كل فرد في المجتمع باقل من دقيقة لذا على السلطة التشريعية الاسراع بتعديل قانون العقوبات المذكور لتطور الحياة وكثرة الجرائم وتنوعها في ظل التطور التكنولوجيا والمعرفة وجهل البعض بالاجراءات القانونية .
ولتوضيح الذوق العام والاداب العامة لابد من الضروري ان نؤكد على تعريف الذوق العام و الاداب العامة فقد عرفه الكثير من الفقهاء منهم من قال بانه : (الطبع والخلق الحمید، وھو حاسة معنویة للتمییز بین ما یسر النفس وتتقبلھا، وبین ما یؤدي إلى انقباض النفس واشمئزازها )
وعرفه اخرون : اختیار ما یتوافق مع طباع الآخرین دون المساس بالقیم الأخلاقیة الثابتة، ویعبر عنھا بالذوق الرفیع والخلق السامي .
وقیل ھو: فن السلوك المھذب، والتصرف الراقي، ولا یكون متحلیاً بھذه الصفة إلا إذا كان نابعا من أعماق النفس البشریة دون أدنى تكلف، أو تصنع، وھو في نفس الوقت یتفق مع مبادئ الدین، والعادات، والتقالید السائدة في المجتمع.
كما عرف أیضا بأنه: فن السلوك الجمیل، والتصرف المقبول اجتماعیا، والذي یراعي العادات، والتقالید، والقیم الاجتماعیة، وینبع أساس من نفس مؤمنة باالله، ومحافظة على لقیم الدینیة .
وعرفته لائحة الذوق العام لبعض الدول بأنه : ” مجموعة السلوكیات والآداب التي تعبر عن قیم المجتمع ومبادئه وھویته .
ونتيجة لذلك لابد من الاشارة الى دوافع المحافظة على الاداب العامة و الذوق العام ومنها
دوافع اجتماعية : تتمثل في المحافظة على القيم و الاعراف والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع ( الصحيحة ) فالمجتمع عادة ينفر من صاحب الاخلاق السيئة ويحمد لصاحب الذوق طيب اخلاقه ورقي تعامله .
دوافع قانونية ( تنظيمية ) تقتضي الحاجة لمواجهة الافراد الذين يسيئون الى الذوق العام بتصرفاتهم وان يصدر بحقهم ما يردعهم عن سوء التصرف والاعتداء على اذواق ومشاعر الاخرين ووجود قانون خاص ينظم ذلك ويردع الناس عن الاعتداء على ذوق ومشاعر الاخرين والاساءة للمجتمع وسمعة البلد الاجتماعية و الفنية والثقافية .
وهكذا يتبين لنا بان المجتمع لا يمكن ان يستقيم الا بتعاون ابنائه مع الجهات القضائية لردع المخالفين واعادة تنظيم المجتمع مجتمعياً بعيداً عن السياسة و مشاكل البلد الاخرى .