يوميّات في زمن الكورونا (١)

مقالات 11 أبريل 2020 0
يوميّات في زمن الكورونا (١)
+ = -

بصمة برس / الصحفي جبار بجاي الحجامي

لا “تكسروا ” حظر التجوال … قصتي معه انتهت بـ “الچيلات ”

كسرتُ اليوم حظر التجوال وذهبت الى السوق الرئيس وسوق الشيشان في مركز مدينة الكوت، ربما هي المرة الاولى التي أقوم بهذا التحدي منذ فرض الحظر.

لم أتصرف كشاب طائش ولا بطران لكن هناك ضرورة مُلحة للخروج بقصد شراء بعض الحاجيات المهمة والضرورية .

ارتيدت ملابسي، البنطرون والقميص، ارتديت الكمامة والقفازات، نظرت في المرآة ، ما شاء الله كل شيء تمام، تناولت قطعة صغيرة من العلكة وخرجت.

قبل الخروج حددت مساري والطريق الذي اسلكه سيراً ابتداء، من شارع الهورة وصولاً الى تقاطع المحافظة، ثم الانحراف باتجاه السدة سالكاً الشارع المحاذي الى بيت المحافظ ومن هناك الى السوق ماراً بالكورنيش.

على مسافة قريبة من المنزل وبعد الوصول الى رأس الشارع تلفتُ يميناً ويساراً بقصد الاطلاع على طبيعة حركة الناس والمركبات ، فجأة ” خرط ” البنطرون ونزل قليلاً، انصدمت لما حصل… قمت برفعه فكانت المفاجأة ؟ نسيت ربط الحزام لان الايام الماضية قضيناها بالدشداشة أو الگلبيه وأحياناً تراك سوت، رجعت مسرعاً الى المنزل وربطت الحزام ومن جديد أكملت مشواري.

في الطريق عند الوصول إلى التقاطع المعروف بتقاطع اعدادية الكوت كانت عشرات المركبات والدراجات في الشارع ، لكن لا وجود للكيّات والتكسيّات والمعروف عن أصحابها هم أصحاب الكد اليومي أعانهم الله.

من بعيد بدا تقاطع المحافظة مزدحماً لأن الشرطة، عفيه عليهم ، لن يسمحوا بمرور المركبات والدراجات ويصرون على إرجاعها وهم يحاولون اقناع الناس بموضوع حظر التجوال وسط ” التدردم ” المُعتاد من أصحابها.

مع الانعطاف باتجاه الكورنيش وقبل الوصول الى متنزه الروشة كنت استذكر بعض الاشياء المثبتة في قائمة الطلبات المُعدة من قبل رئيسة خلية أزمة المنزل، مددت يدي في جيبي لاطلع على تلك القائمة المكتوب قسم منها باللون الاحمر لأهميته القصوى ، لم أجد القائمة ؟؟

اذن نسيتها في المنزل، فكان لزاماً عليّ أن استعين بذاكرتي وحسبت أن هذه القضية سهلة يمكن حلها من خلال الهاتف ولا تحتاج رجعة الى المنزل مثل قضية الحزام.

سيارة اسعاف تقف في باب مستشفى الهلال الاحمر ، السيطرة القريبة مغلقة والشرطي الموجود عنيد مع السواق، الروشة مو غرگانه ، الشط نازل ، ما شاء الله الجزرة الوسطية كلها خضار، في الجانب المقابل، المحال مُغلقة تماماً باستثناء محال الغذائية، في كل فرع من المشروع شرطي يقف أو ربما جالس على بلوكه أو على سطل معطوب أو تنكه قديمة أو قد يجلس على أطار قديم،. الغبار المتطاير في شارع الكورنيش بدا قليلاً بسبب قلة حركة المركبات ولا وجود لمياه غسيل المحال في حوض الشارع التي اعتدنا عليها سابقاً والحفر والمطبات على حالها.

عند محاولتي لالتقاط سيلفي مع السدة في مثل هذه الذكريات أردت تعديل الكمامة لتكون الصورة جميلة، ونتيجة لحركة الفك لوجود العلك، التصق بالكمامة، تركت الصورة وانشغلت برفع العلك بعد أن أدرت وجهي باتجاه الشط خجلاً، لا مفر من ذلك والوضعية صعبة، رميت الكمامة خلف المسنّاية مثل كل المخلفات والقاذورات الموجودة ومضيت في الطريق تاركاً موضوع الصورة الى يوم آخر .

شيء جيد ومفرح من جانب، لكن في جوانب اخرى لا يخلو من السلبيات الكثيرة لأنه يتعلق بقوت الناس، المحال كلها مُغلقة في منطقة الاسواق باستثناء المحال التي لها علاقة بالدواء والغذاء، البسطيّات مغطاة بالقماش وبعضها بالنايلون خوفاً من المطر؛ وكانت تلك الاغطية ذاتها مغطات بالاتربة لطول الفترة التي مضت عليها .

تجولت عمداً في كل الشوارع والداربين الضيقة في السوق لدرجة شعرت بالخوف لأن بعضها بدت كأنها مهجورة .

تساءلت مع نفسي : يا ترى كيف يكون أصحابها هذه الايام وأغلبهم يعيشون على كدهم اليومي ؟ كيف تكون العلاقة بين المؤجر والمستأجر مستقبلاً ؟ هل نجد إنصافاً بالإعفاء من الايجار كما فعل البعض من الخيّرين والشرفاء… ثمة قضية شائكة ستحلُ قريبا بهذا الخصوص وقد يفضي بعضها الى گعدات عشائرية.

تذكرت الفقرة الاولى في ورقة المطالب، تمر .. مررت على صديق لي مختص ببيع التمور يقع محله في بداية السوق أشر لي على النوعية التي اشتريها باستمرار ” مكتوم ” تذكرت آخر مرة اشتريت منه هذا النوع ، الكيلو بثلاثة آلاف دينار .. وما بين السلام المتبادل همستُ مع نفسي بكم يبيع الكيلو الآن ؟؟ اشتريتُ خمسة كيلوات مكتوم وكيلوين خستاوي ، الخستاوي للكليچية حسب وصايا رئيسة الخلية المنزلية “سابقاً اشتريه بـ 1500 دينار” ، المهم صار الحساب كله 18000 دينار ، يعني أن الرجل يبيع بنفس السعر ولم يأخذ زيادة ولا فلس.

سمعت أن بعض الخياطين في سوق رؤوف يخيطون الكمامات ويوزعونها مجاناً، ولأني فقدت الكمامة بسبب العلك اتجهت هناك وجدتُ شاباً منهمكاً بخياطة الكمامات، وهو الوحيد موجد .
ــ السلام عليكم .
ــ عليكم السلام ..
ــ عمو ممكن وحدة منها .
ــ اي تدلل.. اشگد عائلتك ؟
ــ 6 نفرات
ــ هاك هاي 7 وحدة البسها هسه والباقي للعائلة.
ــ اشكرك .. اشكد تأمر ..
ــ الله وياك روح يابه .. تدلل .. نخيّط ونوزع بلاش وحتى النوعية الصحة گالو عنها ممتازة .
ــ اشكرك .. الله يبارك بيكم
ــ وبيكم حجي .
ــ مع السلامة
ــ مع ألف سلامة .

مع التمر والكمامات ذهبت قاصداً شارع الحاوي حيث تقع المجمعات التسويقية للجملة لمختلف المواد الغذائية ، زرت أكثر من متجر للجملة لمجرد الاطلاع ، اسعار المواد الغذائية كانت قريبة من بعضها مابين متجر وآخر وبصراحة اذا كانت هناك زيادة ربما كانت طفيفة، وجدت مجموعة من الشباب يشترون رز وعدس وزيت ومعجون من خلال اليلگات التي يرتدونها عرفت أنهم من الفرق التطوعية يشترون تلك المواد من مالهم الخاص أو من خلال تبرعات الخيّرين لتوزيعها على ذوي الدخل المحدود لذا ساهمت معهم بشيء بسيط.

صدفة شاهدت إثنين من الشباب يتنقلان من متجر الى آخر، تارة أجدهم أمامي وتارة يأتون بعدي يستفسرون بدقة عن الاسعار، يمسك أحداهما مفكرة يفتحها أحياناً ليدون فيها ثمة اشياء، احسست أنهما من الاجهزة الامنية التي تراقب السوق لذا سررت كثيراً.

غيّرت بوصلة رحلتي من متاجر الغذائية الى سوق الخضار في الشيشان لغرض التسوق، هناك التقيت الزميل طه الرديني توقفنا للسلام والحديث، افترقنا بعدها ورحت اشتري من سيد علاء بعض الخضار ، التفتُ وإذا بالشابين يقفان على مقربة مني حتى همستُ في سري ” شنو لاحگيني لأن طالع … مستحيل … قابل بس اني الناس كلها طالعه”

قال أحدهم وابتسامة خجلة على محياه لتكرار ما التقينا في متاجر المواد الغذائية:
ــ شلونها الاسعار ؟
ــ بوجودكم خير من الله ، أدرك اني اعرفه فابتسم وغادرنا كُلاً منا باتجاه مختلف

عند بقال آخر توقفت لشراء احتياجاتي من الفواكه شاهدتُ مفرزة أمنية تفتش عن الاسعار أيضاً وتطلب قوائم الشراء من العلوة، أحد أفراد المفرزة كان يدلي بكلام جميل يتحدث عن الازمة وكيف تزول بالتكاتف والتعاون والتكافل وليس برفع الاسعار واستغلال الناس ويقدم شكره للبقالين كون الاسعار شبه مستقرة رغم بعض الزيادات الطفيفة أحياناً.

لعدم وجود تكسيّات استأجرت عربة يدفعها صبي أوصلني من سوق الشيشان في مركز المدينة الى المنزل في الهورة بعد المرور بساحة العامل لشراء بعض الاحتياجات ، عند الوصول الى تقاطع المحافظة رأيت مجموعة من الشباب يمسكون جهازاً مثل الذي تستخدمه الكوادر الطبية لفحص المصابين بكورونا، فحصوا أفراد الدورية الموجودة ومن يمر أماهم يفحصون حرارته.

فحصوا الصبي الذي يدفع العربة ومن ثم جاء دوري والشرطي بجانبي فقلت مازحاً:
ــ “أوگف خل أنزع الحذاء”
ــ تفاجأ بطلبي وقال : ليش ؟
ــ قلت : حتى اذا حرارتي 38 أشرد .. أطگها ركضة .
قال الشرطي القريب :
ــ والعباس أركض وراك واجيبك لو اطير .. تريد تدهر الناس.
ــ ماتلحگ بيه
ــ اذا مالحگت بيك أطگك چيله .. صدگ . چذب تشحچي.
عندها انتبه لنفسه، تعانقنا بشدة وكلانا يضحك متناسين كورونا وتعليمات الصحة وحظر التجوال وأردف قائلاً :
هاي الضحكة نستني التعب .

 

شاركنا الخبر
الأكثر مشاهدة
%d مدونون معجبون بهذه: