بصمة برس » الشبح الغارق
الشبح الغارق

بصمة برس/ مقالات  ـ   أمنية معتز سالم

 

 

 

نفس الميعاد اليومي الواحدة بعد منتصف الليل، وحدها تجلس في شرفة الشاليه أمام البحر تقرأ كتباها الذي بدأته ليلة أمس، وتوهم نفسها أن ما رأته بالأمس كان مجرد وهما أو حلما زارها في غفوة فجائية من تعب السفر وسهر ليلة ما قبل السفر إلى الساحل الشمالي بالإسكندرية، لذلك جلست في الشرفة تكمل الكتاب في هدوء وتستدعي شجاعتها الهاربة منها منذ ليلة أمس، وتتجاهل شعور الخوف والفضول الذين يجتاحاها في ذات الوقت، وفي تمام الواحدة ظهر نفس الشبح أمام عينيها شبح فتاة تغرق في البحر وتستغيث وتشير إليها بكلتا يديها لتنقذها، شعرت بالفزع تلك المرة أكثر من سابقتها، واتجهت مسرعة نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها بسرعة، وكأنها تحتمي بغرفتها من الشبح، وأمضت ليلة عصيبة وهي ترتعد من الخوف ولم تستطع النوم إلا بعد شروق الشمس، واستيقظت في الثانية عشر ظهرا.، تعجبت أمها من استيقاظها المتأخر، فقد كانت تحب الاستيقاظ مبكرا والاستمتاع بالبحر قبل شمس الظهيرة القاسية، وسألتها عن سبب استيقاظها متأخرة، فتهربت من الإجابة وقالت أنها مازالت مرهقة من السفر، وجلست تتأمل البحر وهي شاردة بعد أن تناولت إفطارها المتأخر، جلست تفكر فيما يمكن أن يحدث في ليلة جديدة مرعبة ومخيفة، وتمنت لو أن الليل لا يأتي ، فكرت أن تطلب من والدتها أن يعودا إلى القاهرة، ولكنها تراجعت حتى لا تصيبها بالقلق عليها، وكانت متأكدة أن والدتها ستصر على معرفة السبب، وجاء الليل وبدأ القلق يستبد بها، لو أن والدتها تسهر لوقت متأخر لجلست معها وهدأت من روعها، بل ربما لو جلست معها لاختفى الشبح اليومي ولم يظهر، لكن لماذا يظهر شبح الفتاة لها هي بالذات؟ ولماذا يظهر تحديدا في الواحدة بعد منتصف الليلل؟ هل بدأت تفقد عقلها وتتخيل أوهاما لا أساس لها؟ هل تتصل بزوج أختها الطبيب النفسي وتحكي له ما حدث؟، لكنه حتما سيعتقد أنها مصابة بمرض نفسي، بل ربما يصر على أن يدخلها المصحة النفسية التي يعمل بها.
لا لن تحكي لأحد ما حدث. ستمضي الليل في غرفتها وتغلق عليها الباب حتى الصباح. نعم هذا هو أفضل حل كي لا ترى الشبح اليومي، وبالفعل ادعت التعب وعدم الرغبة في الخروج أو السهر في الشرفة وأغلقت عليها باب غرفتها، لكن هذا لم يمنع رياح الخوف والقلق من أن تستبد بها وتخنقها، وكلما اقترب الوقت من الواحدة صباحا كلما تضاعف شعورها بالخوف، لا إنه ليس الخوف فقط بل شيء آخر. رغبة عارمة في أن تخرج للشرفة ككل ليلة، وكأن شيئا يدفعها دفعا للخروج، وازداد ذلك الشعور تدريجيا حتى وصل إلى قمته في الواحدة إلا خمس دقائق، فوجدت نفسها مستسلمة لذلك الشعور الخفي وخرجت من الشاليه، ولم تجلس في الشرفة بل اتجهت نحو البحر ولديها رغبة قوية في استكشاف الأمر تلك المرة مهما كلفها من ثمن، انتظرت بضع دقائق وهي تتصبب عرقا رغم هواء البحر الشديد في ذلك الوقت من السنة في نهاية شهر سبتمبر، ولم يظهر الشبح الغارق ككل ليلة، فهدأت واطمئنت لكنها في نفس الوقت شعرت بقليل من الخيبة، فقد كانت تتمنى أن تعرف حقيقة الأمر، وفي طريق عودتها إلى الشاليه سمعت صوت نسائي يناديها باسمها فارتعدت وتعجبت، لم يكن هناك أحد على الشاطيء في هذا الوقت من الليل، فاعتقدت أنها تتوهم، ومضت في طريقها، إلا أن النداء تكرر مرة أخرى: ياسمين، فالتفتت وراءها لترى فتاة بارعة الجمال في الخامسة والعشرين تقريبا من عمرها، فردت عليها وهي ترتعد وقالت: من أنت؟ وماذا تريدين؟ وكيف عرفتي اسمي؟ فردت الفتاة: أنا ندى جارتك في الشاليه المقابل وأحتاج مساعدتك، ساعديني أرجوكي ساعديني، وبدأت الفتاة تصرخ وتبكي وتكرر كلمة ساعديني، فاستبد بها الخوف منها وهربت ركضا نحو الشاليه والفتاة تصرخ وتكرر ساعديني.
دخلت ياسمين الشاليه باكية منهارة واستيقظت والدتها على صوتها، فلم تتمالك نفسها وروت لأمها كل ماحدث، وتوسلت إليها أن تعودا إلى القاهرة في الصباح، لكن والدتها ذكرتها بأختها وزوجها اللذين سيأتيان من الإسكندرية غدا لتمضية اليوم معهما، فبماذا ستعتذران لهما؟ وهل سيصدقا سبب العودة المفاجيء إلى القاهرة؟ خاصة وأنها أخذت أجازة لمدة أسبوعين من العمل للاستجمام والاستمتاع بهواء البحر. طلبت منها والدتها أن تمضيا الغد فقط مع أختها وزوجها ثم يعودا ليلأ إلى القاهرة، لكن تذكرت والدتها أن ياسمين تخشى القيادة ليلا على الطريق الصحراوي، فهدأت من روعها وقالت لها سأجلس معك حتى تنامين ولن أفارقك لحظة واحدة، وفي الصباح نسافر بمشيئة الله، فاطمئنت ووافقت على اقتراح الأم.
وعادت أختها وزوجها إلى الإسكندرية في حوالي التاسعة مساءً بعد أن أمضيا اليوم معهما، وبمجرد أن رحلا بدأت تتجهم وتفكر فيما يمكن أن يحدث في هذه الليلة، وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعتا طرقات شديدة على باب الشاليه، فارتعدت ياسمين ولم تنطق بحرف، واتجهت الأم لتفتح الباب فوجدت أمامها فتاة بسيطة تبدو في حوالي التاسعة عشر على الأكثر تبكي وتقول: من فضلك يا هانم أرجوكي دعيني أمضي الليلة عندكم حتى الصباح فأنا لا أعرف أين أذهب الآن وكيف أعود إلى القاهرة وحدي، أدخلتها الأم وهدات من روعها وسالتها من هي وماذا حدث لها، فأجابت: أنا فاطمة أعمل خادمة عند الباش مهندس عمرو في الشاليه المجاور لكم، وزوجته الجديدة تشاجرت معي وأهانتني وصممت على طردي من الشاليه ليلا، وهو طبعا أطاع أوامرها وتركني أخرج وحدي، واستمرت الفتاة في البكاء، وكل من ياسمين والأم تحاولان تهدأتها وطمأنتها، وطلبتا منها أن تبيت معهما حتى الصباح وتسافر معهما للقاهرة. ففرحت الفتاة فرحا شديدا ودعت لهما، ثم قالت: أنتم أناس طيبين كسيدتي ندى الله يرحمها، ونظرت الأم وابنتها إلى بعضهما في دهشة وذهول، ثم سألتها ياسمين: ندى من؟ فأجابت: ندى زوجة الباشمهندس السابقة رحمها الله، ألا تعرفانها؟ لقد غرقت هنا في البحر منذ ثلاثة شهور، واستيد الذهول بياسمين وبأمها، وطلبتا من الفتاة أن تكمل القصة، فقالت: سيدي كان دائم الشجار مع سيدتي ندى وكان يضربها وكانت تعرف انه يصادق امرأة أخرى وهي للأسف من تزوجها الآن وحلت محل سيدتي ندى. في تلك الليلة من شهر يونيه تشاجرا معا شجارا عنيفا وضربها، وكانت تصرخ وعندما حاولت الدفاع عنها ضربني أنا أيضا، ودخلت هي غرفتها وأغلقت عليها الباب، وخرج هو وأغلق الباب خلفه بقوة، وفي تلك الليلة لم أدر ماذا حدث، فقد نمت نوما عميقا لم أنم مثله في حياتي، واستيقظت في الصباح على صوت الباشمهدس ينهرني ويوقظني ويقول لي أين سيدتك؟ إنها لم تبت الليلة الماضية هنا، لقد عدت متأخرا ونمت على الأريكة معتقدا أنها في غرفتها، لكنها ليست هنا، لم تنم هنا. 
وذهبنا نبحث عنها في كل مكان واتصلنا بأقاربها ولم نعثر لها على أثر، وأبلغ سيدي الشرطة، وبعد يومين وجد الناس جثتها ملقاة على الشاطيء. وقالت الشرطة في تقريرها أنها غرقت في حوالي الساعة الواحدة صباحا من اليوم السابق واعتبروا الحادث انتحاراً. 
رحمها الله كانت طيبة القلب وتعاملني كأختها الصغيرة.

 

ونظرت الأم وابنتها إلى بعضهما نفس النظرة وكأنهما اتفقتا على ألا تقولا شيئا للفتاة عن الشبح الليلي، وقالت لها ياسمين: ستنامين في غرفتي، لدي سرير آخر وسنتحدث حتى الصباح، ابتسمت الفتاة ووافقت وتناولت عشاءها وشكرتهما، ودخلت لتنام مع ياسمين في غرفتها، ولأول مرة شعرت ياسمين بالاطمئنان والراحة، ولأول مرة تشعر منذ أن رأت الشبح أنها يمكن أن تنام نوما هادئنا عميقا، وراحتا في نوم عميق لم يقطعه سوى صراخ امرأة ورجل صراخا عاليا مدويا، فاستيقظ الجميع وخرجن من الشاليه ليعرفن ماذا حدث، منظر رهيب مخيف شاليه المهندس عمرو يحترق، والنار تطاله كله من فوقه لتحته، وحتى أشجار الحديقة اشتعلت فيها النار أيضا، وكان ذلك في تمام الواحدة صباحا.

 

أعوام عديدة مضت. تزوجت ياسمين وأنجبت أطفالا، وكانت كل عام تذهب إلى الشاليه، ولم ترى شبح ندى أبدا بعد ذلك اليوم

شاركنا الخبر
MARAM HOST